الشيخ محمد علي التسخيري

46

محاضرات في علوم القرآن

ويجدر بنا أن نؤكّد - بهذا الصدد - على ملاحظة هامة ذات صلة وثيقة بالموضوع هي العلاقة المتينة المستحكمة التي تربط بين أهداف الاستعمار في العالم الإسلامي والبلاد الشرقية ووسائله ، وبين أهداف الاستشراق ووسائله . بل يمكننا أن نجزم بأنّ الاستشراق كان ولا يزال وسيلة بارزة من الوسائل التي استخدمها الاستعمار في تحقيق أهدافه في العالم الإسلامي ؛ لأنّ دراسة المستشرقين للإسلام قامت - في أوّل الأمر - بوحي من الكنيسة الكاثوليكية خاصّة للانتقاص من تعاليم الإسلام وإهدار قيم تعاليمه حرصا على مذهب الكثلكة من جانب ، وتعويضا عن الهزائم الصليبية في تحرير بيت المقدس من جانب آخر . ثم تبنّى الاستعمار الغربي هذه الدراسة في الجامعات الغربية نفسها حتى يقوى القائمون بأمرها على تصديرها إلى الشرق الإسلامي في صورة كتب تؤلف وترسل إلى طلاب الثقافة أو في صورة طلّاب من الشرق الإسلامي يدعون أو يعاونون على الدراسة هناك ، ثمّ يمنحون من الألقاب العلمية ما يتمكّنون بها من الظفر بوظيفة التوجيه في الكلّيات النظرية بالجامعات الحديثة في الشرق الإسلامي . « 1 » وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتصور الوجود الاستشراقي الحديث مرتبطا بالوجود الاستعماري في العالم الإسلامي كما نربط الباعث على الحركة الاستشراقية بالأهداف الاستعمارية للعالم الغربي . ويلخّص لنا الأستاذ محمّد البهيّ تسلّل الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي بقوله : في بداية منتصف القرن التاسع عشر وعلى التحديد في سنة 1857 تمّ للإنجليز الاستيلاء على الهند سياسيّا وانتقلت سلطة الحكم رسميّا من شركة الهند الشرقية

--> ( 1 ) محمّد البهي ، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي : 24 ، الطبعة السادسة ، دار الفكر ، بيروت .